زكريا القزويني

311

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

( ومنها ) ما روي عن عيسى عليه السلام أنه لما رفع كان له تلامذة يدعون الناس إلى التوحيد وأكبرهم أربع نفر : مرقس : وهو أصغرهم سنا ، ومحسن : وهو أعبدهم ، ومنبوس : وهو أوسطهم ، ويوقاس : وهو أسنهم فبنى كل واحد منهم صومعة يعبد اللّه تعالى فيها فجاء الشيطان إلى مرقس وبيده سراج ، فقال له : من أنت ؟ قال أنا رسول المسيح إليك وإلى أصحابك يقول : ويلكم أنتم عرفتم أني كنت أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى ومن كان كذلك يكون إلها فكيف تنسبوني إلى العبودية ، فنزل من صومعته ودخل على محسن وأخبره بما سمع من الشيطان ، فقاما إلى صومعة منبوس وذكرا له ما كان من الشيطان ، فقال منبوس : كانت نفسي تحدثني بذلك غير أني كنت أكذبها ، فقاموا إلى صومعة يوقاس وحدثوه بذلك ، فقال لهم : أن عيسى ثالث ثلاثة فدعوا الناس إلى ذلك فضلوا وأضلوا لعنهم اللّه . ( ومنها ) ما ذكر في الإسرائيليات أن عابدا سمع أن قوما يعبدون شجرة من دون اللّه تعالى ، فقام بالفأس لقطع الشجرة فلقيه إبليس لعنه اللّه في صورة شيخ ، فقال له : وأي شيء تريد يرحمك اللّه ؟ فقال أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون اللّه فقال له ما أنت وذاك تركت عبادتك وتفرغت لهذا ، فالقوم إن قطعتها يعبدون غيرها ، فقال العابد : لابد لي من قطعها ، فقال إبليس : أنا أمنعك عن قطعها فقاتله العابد وضربه على الأرض وقعد على صدره ، فقال له إبليس : أطلقني حتى أكلمك ، فأطلقه فقال له : يا هذا إن اللّه تعالى قد أسقط عنك هذا وله في الأرض عباد لو شاء أمرهم بقطعها ، فقال العابد : لابد لي من قطعها ، فنابذه للقتال فغلبه العابد مرة أخرى وصرعه ، فقال له إبليس لعنه اللّه هل لك أن تجعل بيني وبينك أمرا هو خير لك من هذا الحال ؟ فقال له العابد : وما هو فقال له : أنت رجل فقير فلعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وجيرانك وتستغني عن الناس فقال : نعم فقال ارجع عن ذلك ولك علي أن أجعل تحت رأسك كل ليلة دينارين تأخذهما وتنفقهما على عيالك وتتصدق منهما فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة فتفكر العابد وقال : صدقت فيما قلت فعاهده على ذلك وحلف له وعاد العابد إلى متعبده فلما أصبح العابد رأى دينارين تحت رأسه فأخذهما ، وكذلك في اليوم الثاني فلما كان في اليوم الثالث وما بعده لم ير شيئا فغضب وأخذ الفأس وذهب نحو الشجرة ، فاستقبله إبليس لعنه اللّه في صورة ذلك الشيخ وقال له إلى أين تريد ؟ قال إلى قطع هذه الشجرة فقال له : ليس لك إلى ذلك من سبيل فتناوله العابد فغلبه كما غلبه قبل ذلك ، فقال إبليس هيهات هيهات وأخذ العابد وضربه على الأرض كالعصفور وقال له لئن لم تنته عن هذا الأمر وإلا ذبحتك ، فقال العابد : خل عني وأخبرني كيف غلبتني ؟ فقال لما غضبت للّه تعالى سخرني اللّه تعالى لك والآن غضبت للدنيا ولنفسك فصرعتك .